جلال الدين السيوطي

47

الإتقان في علوم القرآن

كذا مثّل به في البرهان « 1 » ، وكأنه ظنّ أنّ التشبيه واقع في القسوة ، وهو غير ظاهر ، بل هو واقع بين القلوب والحجارة ، فهو من الأوّل . ومثال الثالث : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [ إبراهيم : 18 ] . ومثال الرابع : لم يقع في القرآن ، بل منعه الإمام « 2 » أصلا ؛ لأن العقل مستفاد من الحسّ ، فالمحسوس أصل للمعقول ، وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا ، وهو غير جائز . وقد اختلف في قوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [ البقرة : 187 ] . الثاني : ينقسم باعتبار وجهه « 3 » إلى : مفرد ومركّب . والمركّب : أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض ، كقوله : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] . فالتشبيه مركّب من أحوال الحمار ، وهو : حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التّعب في استصحابه . وقوله : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [ يونس : 24 ] فإنّ فيه عشر جمل ، وقع التركيب من مجموعها ، بحيث لو سقط منها شيء اختلّ التشبيه ؛ إذ المقصود تشبيه حال الدنيا - في سرعة تقضّيها ، وانقراض نعيمها ، واغترار الناس بها - بحال ماء نزل من السماء ، وأنبت أنواع العشب ، وزيّن بزخرفها وجه الأرض ، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة ، حتى إذا طمع أهلها فيها ، وظنوا أنها مسلّمة من الجوائح ، أتاها بأس اللّه فجأة ، فكأنها لم تكن بالأمس . وقال بعضهم « 4 » : وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران : أحدهما : أنّ الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضرّرت ، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به ، فكذلك الدنيا .

--> ( 1 ) البرهان 3 / 420 . ( 2 ) أي : الرازي ، في كتابه نهاية الإيجاز ص 190 ، وانظر البرهان 3 / 420 ، ومعترك الأقران 1 / 271 ، و « القرآن والصورة البيانية » ص 44 - 45 . ( 3 ) أي : وجه الشبه . وانظر نهاية الإيجاز ص 202 - 204 ، والإكسير ص 136 - 138 ، والبرهان 3 / 422 ، و « القرآن والصورة البيانية » ص 47 - 52 . ( 4 ) انظر البرهان 3 / 422 .